الإكراه في المسؤولية المدنية

تقوم المسؤولية المدنية في جوهرها على مبدأ أساسي يتمثل في تحميل الشخص نتائج أفعاله الضارة متى توافرت أركانها القانونية من خطأ وضرر وعلاقة سببية. غير أن هذا المبدأ لا يطبق بصورة آلية أو مجردة، بل تحكمه اعتبارات العدالة والإنصاف، التي تقتضي أحيانًا إعفاء الشخص من المسؤولية أو تخفيفها إذا ثبت أن فعله لم يكن صادرًا عن إرادة حرة واعية.
ومن بين أهم الأسباب التي تؤثر في قيام المسؤولية المدنية الإكراه، بوصفه ظرفًا يعيب الإرادة ويفقد الفعل صفته الاختيارية، ويطرح تساؤلات دقيقة حول مدى مساءلة الشخص المكره عن الأضرار التي تسبب فيها.

وتبرز أهمية دراسة الإكراه في نطاق المسؤولية المدنية لكونه يقع في منطقة وسطى بين انتفاء الخطأ كليًا وبين تخفيف المسؤولية، كما تتعدد صوره وتطبيقاته العملية في الحياة اليومية، سواء في العلاقات التعاقدية أو في نطاق المسؤولية التقصيرية.
وعليه، تهدف هذه المقالة إلى بيان مفهوم الإكراه في المسؤولية المدنية، وتحديد شروطه، وبيان آثاره القانونية، مع التفرقة بين الإكراه وغيره من الحالات المشابهة، وبيان موقف الفقه والقضاء من هذه المسألة.

أولًا: مفهوم الإكراه في المسؤولية المدنية

  • الإكراه هو ضغط مادي أو معنوي يُمارس على شخص معين، فيسلبه حرية الاختيار، ويدفعه إلى القيام بعمل أو الامتناع عن عمل لم يكن ليقوم به لولا هذا الضغط.
  • ويفهم من ذلك أن الإكراه لا ينعدم معه الإدراك كليًا، وإنما يختل عنصر حرية الإرادة، وهو عنصر جوهري لقيام الخطأ في المسؤولية المدنية.

وقد عرّفه الفقه القانوني بأنه:

  • “كل ضغط غير مشروع يُسلط على الشخص فيحمله على تصرف ضار لا يعبر عن إرادته الحرة”.

1. الإكراه كعيب من عيوب الإرادة :

  • يُعد الإكراه أحد عيوب الإرادة المعروفة في القانون المدني، إلى جانب الغلط والتدليس والاستغلال.
  • غير أن خصوصيته في مجال المسؤولية المدنية تتمثل في كونه لا يؤثر فقط في صحة التصرف القانوني، بل يمتد أثره إلى تقدير الخطأ ذاته.
  • فإذا كان الخطأ المدني يقوم على الانحراف عن سلوك الشخص المعتاد، فإن هذا الانحراف قد يكون مبررًا إذا كان الشخص واقعًا تحت إكراه جسيم لا يمكن مقاومته.

ثانيًا: أنواع الإكراه في نطاق المسؤولية المدنية

  • يُعد الإكراه من العوامل الجوهرية التي تؤثر في قيام المسؤولية المدنية، لأنه يمس عنصر الإرادة الذي يُعد أساس نسبة الفعل الضار إلى فاعله.
  • ولا يقتصر الإكراه على صورة واحدة، بل تتعدد أنواعه تبعًا لطبيعته وأثره في الإرادة،
  • وهو ما ينعكس مباشرة على مدى قيام المسؤولية أو انتفائها أو تخفيفها. ويمكن تصنيف الإكراه في نطاق المسؤولية المدنية على النحو الآتي:

1. الإكراه المادي :

  • الإكراه المادي هو ذلك الذي يُمارس على جسم الشخص مباشرة، فيفقده السيطرة الفعلية على أفعاله،
  • كأن يُمسك بيده ويُجبر على إتلاف مال الغير، أو يُدفع بالقوة للاصطدام بشخص آخر.
  • ويُجمع الفقه على أن الإكراه المادي التام ينفي الخطأ كليًا، لأن الفعل في هذه الحالة لا يُنسب إلى إرادة الفاعل، وإنما إلى القوة القاهرة التي سيطرت عليه.

2. الإكراه المعنوي :

  • الإكراه المعنوي هو ضغط نفسي يُمارس على الشخص عن طريق التهديد بخطر جسيم، كتهديده بالقتل أو بإيذاء أحد أقاربه أو بإلحاق ضرر بالغ بسمعته أو ماله.
  • وفي هذه الحالة، لا تنعدم الإرادة تمامًا، لكنها تكون مشوبة ومقيّدة، وهو ما يجعل تقدير المسؤولية أمرًا نسبيًا يخضع لسلطة القاضي.

3. الإكراه المشروع وغير المشروع :

  • الإكراه غير المشروع: هو الذي يصدر دون سند قانوني، ويُعد سببًا للاعفاء أو التخفيف من المسؤولية.
  • الإكراه المشروع: كالإكراه الناشئ عن تنفيذ حكم قضائي أو استعمال حق مقرر قانونًا، فهذا لا يُعد عيبًا في الإرادة ولا يؤثر في المسؤولية.

ثالثًا: شروط اعتبار الإكراه مؤثرًا في المسؤولية المدنية

  • لا يكفي مجرد الادعاء بوجود إكراه لنفي المسؤولية المدنية أو تخفيفها، بل يتعين توافر شروط محددة قررها الفقه واستقر عليها القضاء،
  • حتى يكون للإكراه أثر قانوني معتبر في قيام المسؤولية أو في تقديرها. وتتمثل هذه الشروط فيما يلي:

1. أن يكون الإكراه جسيمًا :

لا يكفي أي ضغط أو تهديد بسيط، بل يجب أن يبلغ الإكراه حدًا من الجسامة يجعل الشخص السوي في ذات الظروف يعجز عن المقاومة.
ويُقدّر ذلك وفق معيار مزدوج يجمع بين:

  • معيار شخصي: ظروف الشخص المكره (سنّه، حالته الصحية، وضعه الاجتماعي).
  • معيار موضوعي: مدى خطورة التهديد في ذاته.

2. أن يكون الخطر حالًا أو وشيك الوقوع :

  • يشترط أن يكون الخطر الذي هُدد به الشخص قريب الوقوع، لا مجرد خطر محتمل في المستقبل البعيد، لأن التهديد غير الجدي لا يُعد إكراهًا.

3. قيام علاقة سببية بين الإكراه والفعل الضار :

  • يجب أن يثبت أن الفعل الضار كان نتيجة مباشرة للإكراه، وأن الشخص ما كان ليقع في الخطأ لولا هذا الإكراه.

رابعًا: أثر الإكراه على ركن الخطأ في المسؤولية المدنية

1. الإكراه وانتفاء الخطأ :

  • في حالة الإكراه المادي التام، ينتفي الخطأ كليًا، لأن الإرادة تكون معدومة، وبالتالي تنتفي المسؤولية المدنية.

2. الإكراه وتخفيف الخطأ :

أما في الإكراه المعنوي، فإن الخطأ قد يظل قائمًا، ولكن بدرجة مخففة، وهو ما يبرر:

  • تخفيف التعويض.
  • أو توزيع المسؤولية بين المكره والمكره عليه.

ويملك القاضي في هذا الصدد سلطة تقديرية واسعة لتحقيق العدالة.

خامسًا: الإكراه في المسؤولية التقصيرية

  • تُعد المسؤولية التقصيرية من أهم صور المسؤولية المدنية، إذ تقوم على إخلال الشخص بواجب قانوني عام يفرض عليه عدم الإضرار بالغير.
  • غير أن نسبة الفعل الضار إلى فاعله لا تتحقق دائمًا بصورة مطلقة، بل قد تتأثر بظروف خاصة تحيط بالفعل،
  • من أبرزها الإكراه، الذي يمس عنصر الإرادة ويؤثر في قيام الخطأ أو في تقديره.
  • ومن ثم، يثور التساؤل حول مدى قيام المسؤولية التقصيرية إذا صدر الفعل الضار تحت وطأة الإكراه، وحول الشخص الذي يتحمل عبء التعويض في هذه الحالة.

1. القاعدة العامة :

  • الأصل أن من يرتكب فعلًا ضارًا يلتزم بتعويض الضرر، غير أن هذا الأصل يُستثنى منه إذا ثبت أن الفعل صدر تحت إكراه.

2. مسؤولية المكره :

  • إذا ثبت الإكراه، فإن المسؤولية قد تنتقل إلى الشخص الذي مارس الإكراه، باعتباره الفاعل الحقيقي للضرر، سواء بصفته فاعلًا أصليًا أو متسببًا.

3. تعدد المسؤولين :

  • في بعض الحالات، قد يُسأل كل من المكره والمكره عليه، مع توزيع المسؤولية بينهما بحسب جسامة دور كل منهما في إحداث الضرر.

سادسًا: الإكراه في المسؤولية العقدية

  • تقوم المسؤولية العقدية على إخلال أحد المتعاقدين بالتزام ناشئ عن عقد صحيح ونافذ،
  • وهو ما يفترض توافر إرادة حرة واعية عند إبرام العقد وتنفيذه. غير أن هذه الإرادة قد تكون مشوبة بعيب جسيم يفقدها حريتها،
  • ومن أبرز هذه العيوب الإكراه، الذي يثير إشكالات دقيقة تتعلق بصحة العقد، وبمدى قيام المسؤولية العقدية عند الإخلال بالالتزامات.

1. الإكراه وأثره على صحة العقد :

إذا أُبرم العقد تحت إكراه، كان العقد قابلًا للإبطال، ويترتب على ذلك زوال الالتزامات العقدية وما نشأ عنها من مسؤولية.

2. الإكراه وتنفيذ الالتزام :

  • قد يقع الإكراه أثناء تنفيذ العقد، فيؤدي إلى إخلال أحد الأطراف بالتزامه، وهنا يُنظر إلى الإكراه كسبب أجنبي يعفي من المسؤولية أو يخففها.

سابعًا: عبء إثبات الإكراه

الأصل أن من يدعي الإكراه هو المكلف بإثباته، ويجوز الإثبات بكافة طرق الإثبات، بما في ذلك:

  • الشهادة
  • القرائن
  • المستندات
  • الظروف المحيطة بالفعل

ويخضع تقدير كفاية الأدلة لسلطة قاضي الموضوع.

ثامنًا: موقف الفقه والقضاء من الإكراه

  • يحظى الإكراه باهتمام بالغ في كلٍ من الفقه والقضاء، لما له من تأثير مباشر في عنصر الإرادة، الذي يُعد أساسًا لتحميل الشخص المسؤولية المدنية،
  • سواء كانت تقصيرية أو عقدية. وقد تباينت الاتجاهات الفقهية في تحديد نطاق أثر الإكراه،
  • بينما استقر القضاء على مبادئ عملية توازن بين حماية المكره وضمان حقوق المضرور.

1. موقف الفقه :

  • يميل الفقه الحديث إلى التوسع النسبي في الاعتداد بالإكراه، مراعاةً للبعد الإنساني والاجتماعي، مع التحذير من إساءة استعمال هذا الدفع.

2. موقف القضاء :

  • استقر القضاء على أن الإكراه مسألة موضوعية، وأن تقدير قيامه من عدمه يخضع للسلطة التقديرية للمحكمة،
  • بشرط أن يكون استخلاصها سائغًا وله أصل ثابت في الأوراق.

 

يتمتع مكتبنا بخبرة واسعة في مختلف أنواع القضايا والمسائل القانونية، مما يجعله خيارًا مثاليًا لكل من يبحث عن حلول قانونية دقيقة وفعالة. سواء كنت تواجه قضية شخصية أو تجارية، أو تحتاج إلى توجيه قانوني متخصص، فإن فريق المحامين لدينا على استعداد لتقديم الدعم الكامل لك.

لمعرفة المزيد عن خدماتنا أو لحجز استشارة قانونية، يمكنك التواصل معنا عبر الضغط على الرابط التالي، أو ملء النموذج أدناه وسنقوم بالرد عليك في أقرب وقت ممكن:

[“contact-form-7 id=”218″ title=”اتصل بنا”]