يُعد الدليل الجنائي حجر الأساس في بناء القناعة القضائية في القضايا الجنائية، إذ لا تقوم الإدانة إلا على الجزم واليقين المستمدين من أدلة صحيحة ومشروعة. ومن بين أكثر الدفوع إثارة للجدل في القضايا الجنائية، وبخاصة قضايا الاعتداء والقتل، الدفع بعدم قدرة المجني عليه على التحدث بعد إصابته، وهو دفع يتصل اتصالًا وثيقًا بسلامة الدليل، وبمدى صحة ما يُنسب إلى المجني عليه من أقوال أو بلاغات أو شهادات.
وتبرز أهمية هذا الدفع عندما تُبنى الدعوى الجنائية – كليًا أو جزئيًا – على أقوال منسوبة إلى المجني عليه بعد إصابته إصابة يُدّعى أنها أفقدته القدرة على الكلام، سواء بسبب خطورة الإصابة، أو موضعها، أو حالته الصحية أو العصبية. وهنا يثور التساؤل:
هل كان المجني عليه قادرًا بالفعل على التحدث؟
وإذا لم يكن قادرًا، فما مصير ما نُسب إليه من أقوال؟ وهل يجوز التعويل عليها قضائيًا؟
أولًا: ما الدفع بعدم قدرة المجني عليه على التحدث
- الدفع بعدم قدرة المجني عليه على التحدث بعد إصابته هو دفع موضوعي يهدف إلى التشكيك في صحة الأقوال أو البلاغات أو الاتهامات المنسوبة إلى المجني عليه،
- على أساس أن حالته الصحية أو طبيعة إصابته وقت الإدلاء بتلك الأقوال لا تسمح له بالكلام أو التعبير اللفظي.
- ولا ينصب هذا الدفع على مجرد إنكار الواقعة، بل يطعن في مصدر الدليل ذاته، باعتبار أن الدليل – إن وُجد – قد صدر ممن لا يملك القدرة المادية أو الطبية على إصداره.
1. الطبيعة القانونية للدفع :
- هو دفع موضوعي وليس شكليًا.
- يتعلق بتقدير الدليل الجنائي لا بإجراءاته.
- يجوز إبداؤه في أي مرحلة من مراحل الدعوى، طالما كانت المحكمة لم تقل كلمتها النهائية في الموضوع.
ثانيًا: الأساس القانوني للدفع
يقوم الدفع بعدم قدرة المجني عليه على التحدث على عدة أسس قانونية مستقرة، من أهمها:
1. مبدأ حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته :
- القاضي الجنائي حر في تكوين عقيدته من أي دليل يطمئن إليه، لكن بشرط أن يكون الدليل ممكنًا عقلًا وواقعًا.
- فإذا ثبت أن المجني عليه كان في حالة يستحيل معها الكلام، فإن نسبة أقوال إليه تُعد أمرًا غير مقبول منطقيًا.
2. وجوب اليقين في الإدانة :
- الأحكام الجنائية تُبنى على الجزم واليقين، لا على الظن أو الافتراض.
- ونسبة أقوال إلى شخص غير قادر على التحدث تُدخل الشك في الدليل، والشك يُفسَّر لمصلحة المتهم.
3. سلامة الدليل من العيوب الجوهرية :
- إذا شاب الدليل عيب يمس مصدره، سقطت حجيته. وعدم قدرة المجني عليه على الكلام يُعد عيبًا جوهريًا في مصدر الدليل.
ثالثًا: الحالات التي يُثار فيها الدفع
- يُثار الدفع بعدم قدرة المجني عليه على التحدث في الحالات التي تُحيط فيها الإصابة أو الحالة الصحية
- أو الزمن الفاصل بين الواقعة ونَسب الأقوال بظروف تجعل الكلام مستحيلًا أو غير منطقي طبيًا أو واقعيًا.
- ولا يُشترط أن تكون الإصابة قاتلة، بل يكفي أن تكون مانعة للكلام أو التعبير السليم.
1. الإصابات البالغة أو القاتلة :
مثل:
- إصابات الرأس الخطيرة
- نزيف المخ
- تهتك الحنجرة أو القصبة الهوائية
- فقدان الوعي
في هذه الحالات، يُثار الدفع بأن المجني عليه كان في حالة إغماء أو صدمة عصبية تمنعه من النطق.
2. الإصابات الصدرية أو التنفسية :
- كإصابة الرئة أو حدوث نزيف داخلي حاد، وهي إصابات قد تجعل التنفس ذاته صعبًا، فضلًا عن التحدث.
3. الحالات التي تتطلب تنفسًا صناعيًا أو أنابيب طبية :
- وجود أنبوبة حنجرية أو تنفس صناعي يُعد قرينة قوية على استحالة الكلام.
4. الصدمة النفسية أو العصبية :
حتى في غياب فقدان الوعي الكامل، قد تؤدي الصدمة إلى:
- تلعثم
- فقدان القدرة على التركيز
- عدم القدرة على التعبير اللفظي المتزن
رابعًا: صور الأقوال المطعون عليها بهذا الدفع
- يُوجَّه الدفع بعدم قدرة المجني عليه على التحدث إلى الأقوال المنسوبة إليه متى ثبت أو احتمل طبيًا وواقعيًا استحالة صدورها منه.
- ولا يقتصر هذا الدفع على نوع واحد من الأقوال، بل يمتد إلى صور متعددة كثيرًا ما تُبنى عليها الدعوى الجنائية. وفيما يلي أهم هذه الصور:
1. البلاغات المنسوبة للمجني عليه :
كأن يُقال إن المجني عليه:
- بلّغ الشرطة
- سمّى المتهم
- وصف الواقعة
2. الأقوال التي يرويها شهود السماع :
أي شهود يقررون أن المجني عليه قال لهم كذا أو كذا بعد إصابته.
3. الإقرارات أو العبارات الأخيرة (القول المزعوم قبل الوفاة) :
وهي من أكثر الصور خطورة، إذ كثيرًا ما تُستخدم لإسناد الاتهام، رغم احتمال استحالة صدورها.
خامسًا: دور التقرير الطبي في حسم الدفع
- يُعد التقرير الطبي الركيزة الأساسية والفاصل الحاسم في الفصل في الدفع بعدم قدرة المجني عليه على التحدث بعد إصابته،
- إذ يمثل الدليل الفني المحايد الذي لا يخضع للتقدير الشخصي أو الانطباعي، ويكشف – بصورة علمية – مدى قدرة المصاب على الكلام وقت نَسب الأقوال إليه.
- ولا يجوز للمحكمة أن تُعرض عنه أو تُقدّم عليه أقوالًا مرسلة أو شهادات سماعية.
1. التقرير الطبي هو الفيصل :
يُعد التقرير الطبي:
- دليلًا فنيًا محايدًا
- أساسًا لتحديد قدرة المجني عليه على الكلام من عدمها
2. البيانات الطبية ذات الأهمية :
يركز الدفاع على:
- حالة الوعي (واعي – شبه واعي – فاقد الوعي)
- موضع الإصابة
- وجود نزيف أو صدمة
- الإجراءات الطبية العاجلة
3. التناقض بين التقرير الطبي والأقوال :
إذا قرر التقرير:
- “المصاب كان فاقدًا للوعي عند وصوله”
- ثم نُسبت إليه أقوال تفصيلية، فإن هذا التناقض يهدر قيمة تلك الأقوال.
سادسًا: موقف القضاء من الدفع
استقر قضاء محكمة النقض على مبادئ مهمة، من بينها:
- الأقوال المنسوبة لمجني عليه فاقد الوعي لا يُعوَّل عليها.
- لا يجوز للمحكمة أن تأخذ بدليل ثبت استحالته فنيًا.
- التقرير الطبي له الأولوية عند التعارض مع أقوال الشهود.
وأكدت محكمة النقض في العديد من أحكامها أن:
- “متى ثبت أن المجني عليه لم يكن في حالة تسمح بالإدلاء بأقوال، فإن نسبة أقوال إليه تكون غير مقبولة قانونًا”.
سابعًا: عبء الإثبات في الدفع
- يُعد تحديد عبء الإثبات في الدفع بعدم قدرة المجني عليه على التحدث من المسائل الجوهرية في التطبيق العملي،
- إذ يترتب عليه تحديد دور كل من الدفاع والنيابة والمحكمة، وحدود ما يُطلب من كل طرف لإثبات أو نفي هذا الدفع.
- وقد استقر الفقه والقضاء على قواعد واضحة تحكم هذه المسألة، يمكن بيانها على النحو الآتي:
1. دور الدفاع :
يقع على عاتق الدفاع:
- التمسك بالدفع صراحة
- الإشارة إلى مواضع الإصابة
- الاستناد إلى التقارير الطبية
2. دور المحكمة :
على المحكمة:
- الرد على الدفع ردًا صريحًا
- بيان سبب اطمئنانها أو عدم اطمئنانها للأقوال
- عدم الاكتفاء بعبارات عامة
والقصور في الرد يُعد سببًا لنقض الحكم.
ثامنًا: الأثر القانوني للأخذ بالدفع
إذا اقتنعت المحكمة بالدفع، يترتب على ذلك:
- استبعاد أقوال المجني عليه من أدلة الدعوى
- سقوط شهادة السماع المبنية عليها
- إضعاف البناء الاتهامي كليًا أو جزئيًا
- احتمال القضاء بالبراءة إذا لم يبقَ دليل آخر كافٍ
تاسعًا: التمييز بين القدرة الجزئية وعدم القدرة الكاملة
ليس كل إصابة تمنع الكلام بالضرورة، ولذلك:
- تُقدَّر القدرة على التحدث تقديرًا فنيًا دقيقًا
- قد يكون المجني عليه قادرًا على نطق كلمات غير مترابطة
- أو غير قادر على الإدلاء بتفاصيل دقيقة
وهنا يثور التساؤل حول مدى منطقية ودقة الأقوال المنسوبة إليه.
عاشرًا: التطبيق العملي للدفع أمام المحاكم
- لا تَكمُن أهمية الدفع بعدم قدرة المجني عليه على التحدث في إبدائه نظريًا فحسب،
- بل في حُسن توظيفه عمليًا داخل قاعة المحكمة، وربطه بالأدلة الفنية والواقعية، وصياغته بصورة تُلزم المحكمة بالرد عليه ردًا صريحًا.
- وفيما يلي عرض تفصيلي للتطبيق العملي لهذا الدفع أمام المحاكم الجنائية:
1. صياغة الدفع :
يجب أن يكون الدفع:
- محددًا
- مدعومًا بالمستندات الطبية
- غير مرسل أو افتراضي
2. طلبات الدفاع :
غالبًا ما يطلب الدفاع:
- استبعاد أقوال المجني عليه
- عدم التعويل على شهادة السماع
- الأخذ بالتقرير الطبي كدليل فني