كيف تُدار العقود مع الأطراف ذات العلاقة في الشركات؟

تُعد العقود المبرمة مع الأطراف ذات العلاقة من أكثر أنواع العقود حساسية داخل الشركات، لما تحمله من مخاطر تعارض المصالح، وإمكانية إساءة استخدام السلطة، والإضرار بحقوق المساهمين أو الدائنين. وعلى الرغم من أن التعامل مع أطراف ذات علاقة قد يكون ضروريًا ومشروعًا في كثير من الأحيان، إلا أن غياب الضوابط القانونية والحوكمية الصارمة قد يحوّل هذه العقود إلى مصدر نزاعات قانونية وخسائر مالية جسيمة.

في هذا السياق، أصبح تنظيم وإدارة العقود مع الأطراف ذات العلاقة عنصرًا أساسيًا في حوكمة الشركات، ومؤشرًا مهمًا على نزاهة الإدارة وشفافية القرارات. وتهدف هذه المقالة إلى تقديم دراسة شاملة لكيفية إدارة هذه العقود من الناحية القانونية والعملية، مع بيان المخاطر المحتملة وآليات الحد منها، في ضوء القواعد العامة للقانون التجاري وقوانين الشركات ومبادئ الحوكمة الرشيدة.

أولًا: ما المقصود بالأطراف ذات العلاقة في الشركات؟

  • يُقصد بـ الأطراف ذات العلاقة في نطاق الشركات كل شخص طبيعي أو اعتباري تربطه بالشركة علاقة مباشرة أو غير مباشرة من شأنها أن تمنحه قدرة على التأثير في قراراتها الإدارية أو المالية،
  • أو تمكّنه من تحقيق منفعة خاصة نتيجة لهذه العلاقة، بما قد يثير شبهة تعارض المصالح عند التعامل أو التعاقد مع الشركة.

1. التعريف القانوني للأطراف ذات العلاقة :

يُقصد بالأطراف ذات العلاقة كل شخص طبيعي أو اعتباري تربطه بالشركة علاقة مباشرة أو غير مباشرة تمكّنه من التأثير في قراراتها أو الاستفادة منها، ويشمل ذلك على سبيل المثال:

  • أعضاء مجلس الإدارة.
  • المديرين التنفيذيين.
  • كبار المساهمين.
  • الشركات التابعة أو الشقيقة.
  • أقارب أعضاء مجلس الإدارة أو الإدارة التنفيذية.
  • أي جهة تربطها بالشركة علاقة سيطرة أو نفوذ مؤثر.

ويختلف تعريف الطرف ذي العلاقة باختلاف التشريعات، إلا أن القاسم المشترك هو وجود مصلحة مشتركة قد تؤثر على حياد القرار التعاقدي.

2. صور العلاقات التي تُنشئ صفة “الطرف ذي العلاقة” :

قد تنشأ علاقة الطرف ذي العلاقة من خلال:

  • الملكية: امتلاك أسهم أو حصص مؤثرة.
  • الإدارة: تولي منصب إداري أو إشرافي.
  • القرابة: صلة قرابة حتى درجات معينة.
  • العلاقات التعاقدية المستمرة.
  • التحكم غير المباشر عبر شركات وسيطة.

ثانيًا: لماذا تُعد العقود مع الأطراف ذات العلاقة خطرة؟

  • تُعد العقود المبرمة مع الأطراف ذات العلاقة من أكثر العقود حساسية وخطورة في بيئة الشركات، ليس لكونها محظورة في ذاتها،
  • وإنما بسبب الظروف المحيطة بإبرامها، وما قد تشوبه من تعارض في المصالح، أو غياب للحياد،
  • أو استغلال للنفوذ الإداري أو المالي. وتكمن خطورة هذه العقود في أنها قد تُبرم بصورة ظاهرها المشروعية،
  • بينما تنطوي في حقيقتها على إخلال جسيم بمصلحة الشركة أو بحقوق الغير.

1. تعارض المصالح :

الخطر الجوهري في هذه العقود هو أن يسعى الطرف ذي العلاقة لتحقيق مصلحة شخصية على حساب مصلحة الشركة، مثل:

  • إبرام عقد بشروط غير عادلة.
  • تسعير الخدمات أو السلع بأعلى من سعر السوق.
  • تحميل الشركة التزامات غير ضرورية.

2. الإضرار بحقوق المساهمين والدائنين :

العقود غير المنضبطة قد تؤدي إلى:

  • استنزاف أصول الشركة.
  • تقليل أرباح المساهمين.
  • الإضرار بمركز الشركة المالي.
  • الإخلال بمبدأ المساواة بين المساهمين.

3. المسؤولية القانونية والإدارية :

قد تترتب على هذه العقود:

  • مسؤولية أعضاء مجلس الإدارة.
  • بطلان العقد أو قابليته للإبطال.
  • توقيع جزاءات إدارية أو جنائية في بعض الحالات.
  • نزاعات قضائية طويلة ومعقدة.

ثالثًا: الإطار القانوني المنظم للعقود مع الأطراف ذات العلاقة

  • يخضع تنظيم العقود المبرمة مع الأطراف ذات العلاقة لمجموعة من القواعد القانونية والحوكمية التي تهدف إلى منع تعارض المصالح،
  • وحماية أموال الشركة، وضمان نزاهة القرارات الإدارية. ولا يقتصر هذا التنظيم على نصوص قوانين الشركات فحسب، بل يمتد ليشمل مبادئ الحوكمة،
  • والمعايير المحاسبية، وأحكام المسؤولية المدنية والجنائية.

1. في قوانين الشركات :

غالبًا ما تنص قوانين الشركات على:

  • حظر إبرام عقود مع أطراف ذات علاقة إلا بشروط محددة.
  • ضرورة الإفصاح المسبق عن العلاقة.
  • اشتراط موافقة مجلس الإدارة أو الجمعية العامة.
  • عدم اشتراك الطرف ذي العلاقة في التصويت.

2. في مبادئ حوكمة الشركات :

تركّز مبادئ الحوكمة على:

  • الشفافية.
  • العدالة.
  • المساءلة.
  • حماية حقوق المساهمين.

وتعتبر إدارة العقود مع الأطراف ذات العلاقة اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الشركة بتلك المبادئ.

3. في المعايير المحاسبية والرقابية :

تُلزم المعايير المحاسبية الشركات بـ:

  • الإفصاح عن معاملات الأطراف ذات العلاقة.
  • بيان طبيعة العلاقة وقيمة المعاملات.
  • توضيح أثرها المالي على القوائم المالية.

رابعًا: شروط صحة العقود مع الأطراف ذات العلاقة

  • لا يكفي لانعقاد العقد مع الطرف ذي العلاقة أن تتوافر أركان العقد التقليدية من رضا ومحل وسبب،
  • بل يضيف القانون ومتطلبات الحوكمة شروطًا خاصة واستثنائية لضمان سلامة هذا النوع من العقود،
  • نظرًا لما يحيط به من مخاطر تعارض المصالح. ويترتب على الإخلال بهذه الشروط تعرّض العقد للبطلان أو الإبطال،
  • فضلًا عن قيام المسؤولية القانونية على عاتق الأطراف المعنية.

1. الإفصاح الكامل والشفاف :

يجب على الطرف ذي العلاقة:

  • الإفصاح عن طبيعة العلاقة.
  • بيان المصلحة المباشرة أو غير المباشرة.
  • تقديم الإفصاح قبل إبرام العقد لا بعده.

2. الموافقة من الجهة المختصة :

تختلف الجهة المختصة بالموافقة حسب نوع الشركة، وقد تكون:

  • مجلس الإدارة (مع استبعاد الطرف ذي العلاقة من التصويت).
  • الجمعية العامة العادية أو غير العادية.
  • لجنة مستقلة منبثقة عن مجلس الإدارة

3. مراعاة شروط السوق العادلة :

يشترط أن يتم التعاقد:

  • بذات الشروط التي يتعامل بها الغير.
  • وبسعر السوق.
  • ووفقًا لمبدأ التعامل على أساس تجاري بحت.

4. توثيق القرار وأسبابه :

من الضروري:

  • إثبات مبررات التعاقد.
  • توثيق المقارنات السعرية.
  • حفظ المستندات الداعمة للقرار.

خامسًا: دور مجلس الإدارة في إدارة هذه العقود

  • يُعد مجلس الإدارة الجهة الرئيسية المنوط بها ضمان سلامة التعاقدات التي تبرمها الشركة،
  • ويبرز دوره بشكل خاص عند التعامل مع الأطراف ذات العلاقة، نظرًا لما تنطوي عليه هذه العقود من مخاطر تعارض المصالح واستغلال النفوذ.
  • ولا يقتصر دور المجلس على مجرد اعتماد العقد، بل يمتد ليشمل وضع السياسات، والرقابة، والمتابعة، والمساءلة.

1. واجب العناية والولاء :

يلتزم أعضاء مجلس الإدارة بـ:

  • العمل لمصلحة الشركة.
  • تجنب تعارض المصالح.
  • عدم استغلال المنصب لتحقيق منفعة شخصية.

2. إنشاء لجان مستقلة :

من أفضل الممارسات:

  • تشكيل لجنة مراجعة أو لجنة حوكمة.
  • إسناد فحص هذه العقود إلى أعضاء مستقلين.
  • رفع توصيات موضوعية لمجلس الإدارة.

3. الرقابة اللاحقة على تنفيذ العقد :

لا يقتصر دور المجلس على الموافقة فقط، بل يشمل:

  • متابعة التنفيذ.
  • التأكد من الالتزام بالشروط.
  • مراجعة الأثر المالي الدوري.

سادسًا: إدارة المخاطر القانونية المرتبطة بهذه العقود

  • تُعد إدارة المخاطر القانونية المرتبطة بعقود الأطراف ذات العلاقة عنصرًا أساسيًا من عناصر الحوكمة الرشيدة،
  • إذ إن هذه العقود – رغم مشروعيتها من حيث الأصل – تظل محاطة بدرجة عالية من المخاطر القانونية التي قد تهدد استقرار الشركة،
  • وتعرّض إدارتها للمساءلة. وتقتضي الإدارة السليمة لهذه المخاطر تبني نهج وقائي يقوم على التنبّه المسبق للمخاطر المحتملة، ووضع آليات فعالة للحد منها أو احتوائها.

1. مخاطر البطلان أو الإبطال :

قد يتعرض العقد للبطلان إذا:

  • تم دون موافقة الجهة المختصة.
  • شابه غش أو تدليس.
  • ثبت الإضرار بالشركة.

2. مخاطر المسؤولية المدنية :

قد يُسأل الطرف ذي العلاقة عن:

  • التعويض عن الأضرار.
  • رد الأرباح غير المشروعة.
  • إعادة الحال إلى ما كان عليه.

3. مخاطر المسؤولية الجنائية :

في بعض الحالات، قد ترقى المخالفات إلى:

  • جريمة إساءة استعمال السلطة.
  • التلاعب أو الاستيلاء على أموال الشركة.
  • الإضرار العمدي بالمال العام (في شركات القطاع العام).

سابعًا: أفضل الممارسات العملية لإدارة العقود مع الأطراف ذات العلاقة

  • تتطلب الإدارة السليمة للعقود مع الأطراف ذات العلاقة تبني مجموعة من الممارسات العملية التي تترجم النصوص القانونية ومبادئ الحوكمة إلى إجراءات واضحة داخل الشركة.
  • وتهدف هذه الممارسات إلى الحد من مخاطر تعارض المصالح، وتعزيز الشفافية، وحماية الشركة وأصحاب المصالح من أي استغلال محتمل.

1. وضع سياسة مكتوبة ومعتمدة :

ينبغي أن تعتمد الشركة سياسة واضحة تشمل:

  • تعريف الأطراف ذات العلاقة.
  • إجراءات الإفصاح.
  • آليات الموافقة.
  • أسلوب التوثيق والمتابعة.

2. التدريب والتوعية :

من المهم:

  • تدريب أعضاء مجلس الإدارة.
  • توعية الإدارة التنفيذية.
  • نشر ثقافة الحوكمة والشفافية.

3. الاستعانة بالمستشارين القانونيين :

يساعد المستشار القانوني في:

  • مراجعة العقود.
  • تقييم المخاطر.
  • ضمان الامتثال للقانون.
  • صياغة بنود حماية الشركة.

4. المراجعة الدورية والتقييم المستمر :

ينبغي إجراء:

  • مراجعة سنوية للعقود القائمة.
  • تقييم جدواها الاقتصادية.
  • إنهاء أو تعديل العقود غير المجدية.

ثامنًا: نماذج عملية لعقود مع أطراف ذات علاقة

  • تتعدد صور العقود التي قد تُبرمها الشركات مع أطراف ذات علاقة، وتختلف درجة خطورتها القانونية بحسب طبيعة العقد،
  • وحجم الالتزامات المالية، ومدى تأثيرها على المركز المالي للشركة. وتستلزم هذه العقود مستوى مرتفعًا من الحيطة والرقابة،
  • مع الالتزام الصارم بالإفصاح والحوكمة، لضمان مشروعيتها وسلامتها.

1. عقود الإدارة أو الاستشارات :

مثل تعاقد الشركة مع أحد أعضاء مجلس إدارتها كمستشار، ويستلزم ذلك:

  • تحديد المهام بدقة.
  • مقابل عادل.
  • موافقات قانونية واضحة.

2. عقود التوريد أو المقاولات :

كالتعاقد مع شركة يملكها أحد المساهمين، ويشترط:

  • مقارنة الأسعار بالسوق.
  • توثيق العروض البديلة.
  • شفافية تامة.

3. عقود التمويل أو الضمان :

وتُعد من أخطر العقود، وتتطلب:

  • تقييم ائتماني مستقل.
  • ضمان عدم تحميل الشركة مخاطر غير مبررة.

 

يتمتع مكتبنا بخبرة واسعة في مختلف أنواع القضايا والمسائل القانونية، مما يجعله خيارًا مثاليًا لكل من يبحث عن حلول قانونية دقيقة وفعالة. سواء كنت تواجه قضية شخصية أو تجارية، أو تحتاج إلى توجيه قانوني متخصص، فإن فريق المحامين لدينا على استعداد لتقديم الدعم الكامل لك.

لمعرفة المزيد عن خدماتنا أو لحجز استشارة قانونية، يمكنك التواصل معنا عبر الضغط على الرابط التالي، أو ملء النموذج أدناه وسنقوم بالرد عليك في أقرب وقت ممكن:

[“contact-form-7 id=”218″ title=”اتصل بنا”]