تُعد الجريمة من أخطر الظواهر الاجتماعية التي تواجه المجتمعات، لما تمثله من اعتداء على القيم الأساسية التي يسعى القانون إلى حمايتها، وعلى رأسها الحق في الحياة، والحرية، والملكية، والأمن. وقد وضع المشرّع القواعد القانونية التي تجرّم الأفعال الضارة وتحدد العقوبات المناسبة لها، كما رسم إطارًا دقيقًا لأركان الجريمة وشروط قيام المسؤولية الجنائية.
غير أن الواقع العملي يفرز صورًا معقدة من السلوك الإجرامي، لا تتحقق فيها النتيجة الإجرامية رغم اتجاه إرادة الجاني إليها، بسبب استحالة وقوعها. وهنا يثور التساؤل: هل يُسأل الجاني جنائيًا إذا كان تحقيق النتيجة الإجرامية مستحيلاً؟
هذا التساؤل يقودنا إلى دراسة مفهوم الجريمة المستحيلة، باعتبارها من أدق الموضوعات في القانون الجنائي وأكثرها إثارة للجدل الفقهي والقضائي.
تهدف هذه المقالة إلى تقديم دراسة شاملة للجريمة المستحيلة من حيث تعريفها، وتمييزها عن غيرها من الصور القريبة، وبيان أنواعها، وأركانها، والموقف الفقهي والقانوني منها، مع إيراد أمثلة تطبيقية توضح الإشكاليات العملية المرتبطة بها.
أولًا: تعريف الجريمة المستحيلة
- الاستحالة في اللغة تعني الامتناع أو عدم الإمكان. فيُقال: “استحال الشيء” أي تعذّر وقوعه أو أصبح غير ممكن.
1. التعريف القانوني :
- الجريمة المستحيلة هي: تلك الجريمة التي يتجه فيها قصد الجاني إلى ارتكاب فعل يعتقد أنه يحقق نتيجة إجرامية،
- إلا أن هذه النتيجة لا تتحقق لاستحالة وقوعها، إما لعدم صلاحية الوسيلة المستخدمة أو لانعدام محل الجريمة.
- وبعبارة أخرى، هي صورة من صور السلوك الإجرامي الذي تتوافر فيه النية الإجرامية، ولكن يغيب عنه عنصر الإمكان الواقعي لتحقيق النتيجة.
ثانيًا: الأساس القانوني لفكرة الجريمة المستحيلة
ترتبط الجريمة المستحيلة ارتباطًا وثيقًا بنظرية الشروع في الجريمة، إذ أن كلتا الحالتين تتعلقان بجريمة لم تكتمل أركانها. إلا أن الفرق الجوهري بينهما يتمثل في أن:
- الشروع: الجريمة ممكنة في ذاتها، لكن لم تتحقق النتيجة بسبب ظرف خارجي.
- الجريمة المستحيلة: الجريمة غير ممكنة أصلاً منذ البداية.
وهنا يثور الخلاف حول مدى قابلية هذا السلوك للعقاب، وهل تكفي النية الإجرامية وحدها لتبرير المسؤولية الجنائية؟
ثالثًا: التمييز بين الجريمة المستحيلة والشروع في الجريمة
- يُعد كلٌّ من الشروع في الجريمة والجريمة المستحيلة من صور السلوك الإجرامي غير المكتمل،
- حيث لا تتحقق النتيجة الإجرامية المقصودة في كلتا الحالتين،
- إلا أن الأساس القانوني لكل منهما يختلف من حيث إمكانية تحقق الجريمة وخطورتها، وهو ما يوجب التمييز بينهما.
1. من حيث إمكانية تحقيق النتيجة :
- الشروع: النتيجة ممكنة، لكنها لم تتحقق.
- الجريمة المستحيلة: النتيجة غير ممكنة مطلقًا.
2. من حيث السبب :
- في الشروع، يكون السبب خارجيًا (تدخل الغير – فشل التنفيذ – هروب المجني عليه).
- في الجريمة المستحيلة، يكون السبب داخليًا (عدم صلاحية الوسيلة أو انعدام المحل).
3. من حيث العقاب :
- الشروع معاقب عليه بنص القانون.
- الجريمة المستحيلة محل خلاف فقهي وتشريعي.
رابعًا: أنواع الجريمة المستحيلة
تنقسم الجريمة المستحيلة إلى نوعين رئيسيين:
1. الجريمة المستحيلة لاستحالة الوسيلة :
- وتقع عندما يستخدم الجاني وسيلة لا يمكن بطبيعتها أن تُحدث النتيجة الإجرامية، مهما بذل من جهد.
أمثلة:
- إطلاق النار من سلاح غير صالح للإطلاق.
- محاولة القتل باستخدام مادة غير سامة على أنها سم.
- محاولة الإجهاض باستخدام وسائل لا تؤدي علميًا إلى الإجهاض.
2. الجريمة المستحيلة لاستحالة المحل :
- وتتحقق عندما يكون محل الجريمة غير موجود أصلًا.
أمثلة:
- إطلاق النار على شخص متوفى معتقدًا أنه حي.
- سرقة مال غير مملوك لأحد (مال غير موجود).
- محاولة قتل شخص ثبت أنه لم يكن موجودًا في مكان الجريمة.
خامسًا: أركان الجريمة المستحيلة
- تُعد الجريمة المستحيلة من الموضوعات الدقيقة في القانون الجنائي، إذ تقوم على توافر النية الإجرامية وبدء التنفيذ،
- مع استحالة تحقق النتيجة الإجرامية. ورغم عدم تحقق الجريمة في صورتها التامة، فإن تحليل أركانها يُظهر مدى خطورة السلوك الإجرامي.
- وكغيرها من الجرائم، تقوم الجريمة المستحيلة على أركان ثلاثة: الركن الشرعي، والركن المادي، والركن المعنوي.
1. الركن الشرعي :
- لا خلاف حول ضرورة وجود نص قانوني يجرّم الفعل أو الشروع فيه. ويثور الإشكال هنا حول ما إذا كان النص الذي يعاقب على الشروع يمتد ليشمل الجريمة المستحيلة.
2. الركن المادي :
- يتخذ الركن المادي في الجريمة المستحيلة صورة نشاط إيجابي يدل على البدء في التنفيذ، إلا أن هذا النشاط لا يمكن أن يؤدي إلى النتيجة.
3. الركن المعنوي :
- يُعد الركن المعنوي (القصد الجنائي) حجر الزاوية في الجريمة المستحيلة،
- حيث تتجه إرادة الجاني إلى ارتكاب جريمة مكتملة الأركان من وجهة نظره،
- ويكون عالمًا بطبيعة الفعل الذي يقوم به، ومريدًا لتحقيق النتيجة.
سادسًا: الموقف الفقهي من الجريمة المستحيلة
وقد انقسم الفقه الجنائي حول مدى خضوع الجريمة المستحيلة للعقاب إلى اتجاهات رئيسية، تختلف في منطلقاتها الفكرية وتصورها لمفهوم الجريمة والخطورة الإجرامية.
الاتجاه الأول: عدم العقاب :
يرى هذا الاتجاه أن الجريمة المستحيلة لا تستوجب العقاب، لأن القانون الجنائي يعاقب على الأفعال التي تُشكّل خطرًا حقيقيًا على المجتمع، بينما الجريمة المستحيلة لا تمثل خطرًا فعليًا.
حجج هذا الاتجاه:
- انعدام الخطر الإجرامي.
- عدم تحقق أي ضرر أو تهديد حقيقي.
- مبدأ الشرعية الجنائية.
الاتجاه الثاني: العقاب :
- يذهب هذا الاتجاه إلى ضرورة العقاب على الجريمة المستحيلة، باعتبار أن خطورة الجاني تتجلى في نيته الإجرامية، وليس في تحقق النتيجة.
حجج هذا الاتجاه:
- خطورة النية الإجرامية.
- ضرورة حماية المجتمع من المجرمين المحتملين.
- تحقيق الردع العام والخاص.
سابعًا: الموقف التشريعي من الجريمة المستحيلة
- تُعد الجريمة المستحيلة من أكثر موضوعات القانون الجنائي إثارة للجدل على الصعيد التشريعي، نظرًا لتعارض عنصرين جوهريين فيها:
- توافر القصد الجنائي الكامل من جهة، وانعدام إمكانية تحقق النتيجة الإجرامية من جهة أخرى.
- وقد انعكس الخلاف الفقهي حول هذه الجريمة على مواقف التشريعات الجنائية، التي اختلفت في معالجتها بين التشدد والتخفيف والتوسط.
1. التشريعات التي تعاقب عليها :
- بعض القوانين توسّعت في مفهوم الشروع، واعتبرت الجريمة المستحيلة صورة من صوره، وبالتالي تُعاقب عليها.
2. التشريعات التي لا تعاقب عليها :
- تشريعات أخرى فرّقت بين الشروع والجريمة المستحيلة، وامتنعت عن العقاب إذا كانت الاستحالة مطلقة.
3. موقف القانون المصري :
- يميل القضاء المصري إلى اعتبار الجريمة المستحيلة صورة من صور الشروع إذا كان الفعل في ذاته يُظهر خطورة إجرامية،
- خاصة في الجرائم الجسيمة، مع الأخذ بالتفرقة بين الاستحالة المطلقة والاستحالة النسبية.
ثامنًا: التفرقة بين الاستحالة المطلقة والاستحالة النسبية
- تُعد مسألة التفرقة بين الاستحالة المطلقة والاستحالة النسبية من أهم المسائل المرتبطة بالجريمة المستحيلة،
- لما لها من أثر مباشر على قيام المسؤولية الجنائية من عدمها.
- ويعتمد هذا التمييز على مدى إمكانية تحقق النتيجة الإجرامية في الواقع، وليس على نية الجاني التي تكون متوافرة في الحالتين.
1. الاستحالة المطلقة :
- وهي التي يستحيل فيها تحقق النتيجة في جميع الأحوال، كإطلاق النار على جثة.
2. الاستحالة النسبية :
- وهي التي تستحيل فيها النتيجة في ظروف معينة فقط، لكنها ممكنة في ظروف أخرى، كاستخدام سلاح معطل يمكن إصلاحه.
- ويميل الفقه والقضاء إلى العقاب في حالة الاستحالة النسبية دون المطلقة.
تاسعًا: التطبيقات القضائية للجريمة المستحيلة
أظهرت أحكام المحاكم أن تقدير الاستحالة يخضع للسلطة التقديرية للقاضي، الذي يفحص:
- طبيعة الوسيلة المستخدمة.
- مدى خطورة الفعل.
- نية الجاني وظروف ارتكاب الجريمة.
وقد قضت المحاكم في العديد من الحالات باعتبار الجريمة المستحيلة شروعًا معاقبًا عليه متى توافرت الخطورة الإجرامية.
عاشرًا: الأهمية العملية للجريمة المستحيلة
تكمن أهمية دراسة الجريمة المستحيلة في:
- ضبط حدود المسؤولية الجنائية.
- تحقيق التوازن بين حماية المجتمع وضمان الحرية الفردية.
- منع الإفراط في التجريم.
- تطوير السياسة الجنائية الحديثة.
يتمتع مكتبنا بخبرة واسعة في مختلف أنواع القضايا والمسائل القانونية، مما يجعله خيارًا مثاليًا لكل من يبحث عن حلول قانونية دقيقة وفعالة. سواء كنت تواجه قضية شخصية أو تجارية، أو تحتاج إلى توجيه قانوني متخصص، فإن فريق المحامين لدينا على استعداد لتقديم الدعم الكامل لك.
لمعرفة المزيد عن خدماتنا أو لحجز استشارة قانونية، يمكنك التواصل معنا عبر الضغط على الرابط التالي، أو ملء النموذج أدناه وسنقوم بالرد عليك في أقرب وقت ممكن:
[“contact-form-7 id=”218″ title=”اتصل بنا”]