في قضايا الميراث، قد تنشأ أوضاع قانونية شائكة عندما يكون من بين الورثة أشخاص قُصّر (أي لم يبلغوا السن القانونية) أو غائبون (أي لا يُعرف مكانهم أو يُحتمل غيابهم لفترة طويلة). وهذه الحالات تتطلب من المحامي أن يتعامل بدقة وحرص شديدين لضمان حماية حقوق هؤلاء الورثة الضعفاء قانونًا، واتباع الإجراءات التي تنص عليها القوانين الوطنية، والالتزام بما تقرره الشريعة الإسلامية في شأن التركات.
في هذه المقالة، سنناقش بشكل مفصّل الدور الذي يقوم به المحامي في التعامل مع وجود قُصّر أو غائبين بين الورثة، والإجراءات القانونية الواجب اتباعها، والصعوبات المحتملة، والحلول التي يقدمها المحامي لضمان تحقيق العدالة لجميع الورثة.
أولًا: من هم القُصّر والغائبون في القانون
- في القانون، يُستخدم مصطلحا القُصّر والغائبون للإشارة إلى فئتين من الأشخاص الذين لا يتمتعون بالأهلية القانونية الكاملة للتصرف أو تمثيل أنفسهم في الشؤون القانونية،
- ويحتاجون إلى تمثيل قانوني خاص لحماية حقوقهم. وفيما يلي توضيح لكل منهما:
1. القُصَّر:
القاصر هو كل شخص لم يبلغ سن الرشد القانوني (غالبًا 18 سنة في معظم الأنظمة القانونية)، ولا يكون كامل الأهلية للتصرفات القانونية. وتُفرّق القوانين بين:
- قاصر عديم الأهلية (أقل من 7 سنوات عادةً).
- قاصر ناقص الأهلية (بين 7 و18 سنة تقريبًا، أو المصاب بإعاقة عقلية).
يحتاج القاصر إلى ولي أو وصي يُمثل مصالحه القانونية.
2. الغائبون:
الغائب هو الشخص المجهول المكان لفترة طويلة، ولا يمكن الوصول إليه أو التأكد من حياته أو مماته، وقد يعلن فقيدًا أو مفقودًا بعد إجراءات قضائية محددة. قد يشمل ذلك:
- أشخاصًا سافروا دون عودة.
- أشخاصًا انقطعت أخبارهم بسبب حرب، أو كوارث طبيعية.
- مهاجرين غير معروف أماكن إقامتهم.
الغائب يُعيَّن له قيّم أو وكيل مؤقت لتمثيله في القضايا، ولا يُوزع نصيبه من التركة إلا بعد الفصل في وضعه القانوني.
ثانيًا: المهام الأولية للمحامي عند وجود قُصّر أو غائبين
- عندما يباشر المحامي ملفًا للورثة ويتبيّن وجود قاصر أو غائب، فإنه يتخذ الخطوات التالية:
1. التحقق من الهوية القانونية لجميع الورثة :
- مراجعة شهادات الميلاد والوفاة.
- استخراج إعلام وراثة ابتدائي.
- التحقق من السن القانوني لكل وريث.
2. التحقق من الوضع القانوني للقاصر أو الغائب :
- هل للقاصر ولي طبيعي (مثل الأب أو الجد)؟
- هل تم تعيين وصي شرعي سابقًا من المحكمة؟
- هل الغائب معلن رسميًا غائبًا أو مفقودًا أم لا تزال حالته غير محددة قانونًا؟
3. التواصل مع المحكمة المختصة :
- المحكمة المختصة بشؤون القُصّر (مثل محكمة الأسرة).
- تقديم طلبات تعيين وصي أو قيّم.
- استخراج القرارات اللازمة لمباشرة الإجراءات.
ثالثًا: إجراءات المحامي بشأن القُصّر
- عند وجود قاصر بين الورثة، يجب على المحامي اتباع سلسلة من الإجراءات لضمان سلامة التمثيل القانوني للقاصر وعدم ضياع حقوقه، وتشمل:
1. التمثيل القانوني للقاصر:
لا يجوز للقاصر التصرف في الميراث بنفسه. لذلك:
- إذا كان له ولي طبيعي، يتولى هذا الأخير تمثيله تلقائيًا (مثل الأب أو الجد).
- إذا تُوفي الولي أو سقطت ولايته، يُعيَّن وصي بقرار من المحكمة.
2. دور المحامي في تعيين الوصي :
- يتقدم المحامي بطلب رسمي إلى المحكمة بطلب تعيين وصي.
- يرفق به مستندات: شهادة ميلاد القاصر، إعلان الوراثة، وفاة الأب (إن وجد)، بيانات الأم أو الأقارب.
- يوضح في الطلب حاجة القاصر إلى من يحمي مصالحه في التركة.
3. إشراف المحكمة على أعمال الوصي :
- يجب على الوصي أن يستأذن المحكمة قبل بيع حصة القاصر أو التصرف فيها.
- يرفع المحامي التقارير الدورية إلى المحكمة لضمان سلامة الإجراءات.
- تودع الحصص المالية للقاصر في حسابات مصرفية مخصصة ولا يجوز التصرف فيها دون إذن قضائي.
رابعًا: إجراءات المحامي بشأن الغائبين
- عند وجود وريث غائب في التركة، يتوجب على المحامي أن يسير في خطوات محددة لحماية نصيب هذا الغائب،
- ومنع أي تصرف فيه إلا بإشراف قضائي،
- مع ضمان سير إجراءات الميراث بشكل قانوني منضبط.
1. التحقق من حالة الغياب :
- هل الغياب طارئ أم مستمر؟
- هل انقطعت أخبار الشخص كليًا؟
- هل صدر حكم سابق بإعلانه غائبًا أو مفقودًا؟
2. التقدم بطلب إلى المحكمة لإثبات الغياب :
- يقدم المحامي طلبًا إلى المحكمة لإثبات غياب الشخص.
- يوضح الأدلة والشهود وظروف الغياب.
- تطلب المحكمة إعلان الغائب رسميًا وتعيين قيّم مؤقت لإدارة نصيبه.
3. المحافظة على حقوق الغائب :
- لا يجوز توزيع نصيب الغائب إلا بقرار قضائي.
- إذا طال الغياب ولم يظهر الغائب، يجوز بعد فترة قانونية إعلان الوفاة الحكمية.
- يُودع نصيب الغائب في حساب مستقل أو يُدار من قبل القيّم لصالحه لحين عودته أو إثبات وفاته.
خامسًا: دور المحامي في إدارة التركة في وجود قُصّر أو غائبين
- وجود قُصّر أو غائبين لا يمنع الشروع في إجراءات توزيع التركة، لكنه يفرض على المحامي:
1. اتخاذ تدابير تحفظية :
- طلب حصر التركة بدقة.
- اتخاذ إجراءات حماية العقارات والأموال.
- منع أي تصرف قانوني دون إذن المحكمة.
2. توزيع الميراث بطريقة قانونية :
- المحامي يرفع دعوى قسمة قضائية أمام المحكمة المختصة.
- يطلب قسمة التركة مع حفظ حقوق القُصّر والغائبين.
- يُراعى في القسمة أن تُسلّم حصة القاصر أو الغائب إلى الوصي أو القيّم المعين.
3. منع الاستغلال أو الإضرار بالقاصر :
- يُشرف المحامي على عدم بيع ممتلكات القاصر دون ضرورة.
- يرفض أي اتفاقات خاصة بين الورثة تضر القاصر.
- يُبلغ المحكمة بأي شبهة استغلال.
سادسًا: الصعوبات العملية التي يواجهها المحامون
- تُعد قضايا الميراث التي تتضمن قُصَّرًا أو غائبين من أكثر القضايا تعقيدًا من حيث الإجراءات القانونية، والمسؤوليات الأخلاقية، والتحديات الواقعية،
- حيث تُفرض على المحامي التزامات دقيقة لضمان حماية حقوق هؤلاء الورثة الضعفاء. وتشمل الصعوبات ما يلي:
1. تعقيد الإجراءات القضائية:
- تتطلب قضايا القُصّر والغائبين مراجعة جهات متعددة.
- وجود بيروقراطية في تعيين الأوصياء والقيّمين.
2. خلافات بين الورثة الراشدين:
- بعض الورثة يحاولون تجاوز القاصر أو الغائب.
- مقاومة بعض الورثة لفكرة تعيين وصي رسمي أو تأجيل التوزيع.
3. صعوبة إثبات الغياب:
- تحتاج إجراءات الغياب إلى شهود وأدلة.
- بعض الحالات تبقى عالقة سنوات.
سابعًا: نماذج تطبيقية توضح تعامل المحامي مع هذه الحالات
- إليك نماذج تطبيقية واقعية ومفصلة توضح كيف يتعامل المحامي مع حالات وجود قُصَّر أو غائبين بين الورثة في قضايا الميراث،
- مع توضيح الإجراءات القانونية التي اتُخذت في كل حالة، وأهم التحديات والحلول:
نموذج (1): قاصر دون ولي طبيعي :
وريثة عمرها 10 سنوات، توفي والدها ووالدتها قبل المورّث.
قام المحامي بـ:
- تقديم طلب تعيين وصي خالها.
- إصدار إعلام الوراثة.
- حماية نصيب الطفلة من أي تصرفات بيع.
نموذج (2): وريث غائب :
شاب سافر إلى الخارج وانقطعت أخباره منذ 5 سنوات.
قام المحامي بـ:
- تقديم طلب إثبات غياب.
- تعيين قيّم مؤقت.
- حفظ نصيبه وعدم توزيعه لحين البت في وضعه.
نموذج (3): قاصر يملك حصة في عقار :
طفل عمره 14 سنة ورث مع أخوته عقارًا.
طلب أحد الورثة بيع العقار لتقسيم الحصص.
المحامي:
- اشترط إذن المحكمة.
- حافظ على نصيب الطفل بحساب مصرفي خاص.
ثامنًا: التوصيات القانونية لضمان حماية حقوق القُصّر والغائبين
- الاستعانة بمحامٍ متخصص في قضايا التركات والأحوال الشخصية.
- عدم التصرف في التركة دون إذن قضائي إذا كان بين الورثة قاصر أو غائب.
- طلب تعيين وصي أو قيّم رسمي قبل بدء أي إجراءات توزيع.
- إبلاغ المحكمة بأي خلافات بين الورثة قد تؤثر على حقوق القصر.
- التوثيق الكامل لجميع الخطوات التي يتخذها المحامي.